ابن أبي الحديد
248
شرح نهج البلاغة
وكان أول من جاء من الناس عثمان بن قطن ، ومعه مواليه وناس من أهله ، وقال : أعلموا الأمير مكاني ، أنا عثمان بن قطن ، فليأمرني بأمره . فناداه الغلام صاحب المصباح : قف مكانك حتى يأتيك أمر الأمير ، وجاء الناس من كل جانب ، وبات عثمان مكانه فيمن اجتمع إليه من الناس ، حتى أصبح . وقد كان عبد الملك بن مروان بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان ، وكتب له عهده عليها ، وكتب إلى الحجاج : إذا قدم عليك محمد بن موسى الكوفة ، فجهز معه ألفي رجل ، وعجل سراحه إلى سجستان . فلما قدم الكوفة ، جعل يتجهز ( 1 ) ، فقال له أصحابه ونصحاؤه : تعجل أيها الرجل إلى عملك ، فإنك لا تدرى ما يحدث ، وعرض أمر شبيب حينئذ ودخوله الكوفة ، فقيل للحجاج : إن محمد بن موسى إن سار إلى سجستان مع نجدته وصهره لأمير المؤمنين عبد الملك ، فلجأ إليه أحد ممن تطلبه ، منعك منه . قال : فما الحيلة ؟ قالوا : أن تذكر له أن شبيبا في طريقه وقد أعياك ، وأنك ترجو أن يريح الله منه على يده ، فيكون له ذكر ذلك وشهرته . فكتب إليه الحجاج : إنك عامل على كل بلد مررت به ، وهذا شبيب في طريقك تجاهده ومن معه ، ولك أجره وذكره وصيته ، ثم تمضي إلى عملك ، فاستجاب له . وبعث الحجاج بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل ، وزياد بن قدامة في ألفين ، وأبا الضريس مولى تميم في ألف من الموالي ، وأعين صاحب حمام أعين مولى لبشر بن مروان في ألف ، وجماعة غيرهم ، فاجتمعت تلك الامراء في أسفل الفرات ، وترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة هؤلاء القواد ، وأخذ نحو القادسية ، فوجه الحجاج زحر بن قيس
--> ( 1 ) الطبري : ( جعل يتحبس في الجهاز ) ، والتحبس : التوقف والتباطؤ .